Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
تاريخديانة

لماذا يجهل 95% من الشباب المسلم كنزهم المدفون؟


كيف يجلس 200 مليون مسلم على كنز بأربعة عشر مليار دولار… ويتضوّرون جوعاً؟


في إحدى مقابلاته الصحفية، الدكتور عبيد الله فهد بجامعة أليجار الإسلامية يروي بمرارة: “تخيّل أرضاً في قلب العاصمة دلهي، حيث المتر الواحد يساوي ألف دولار، مؤجّرة لشركة استثمار خاصة بعشرة سنتات فقط!” ثم أضاف: “هذه العقود كُتبت قبل الاستقلال. قبل أكثر من سبعين سنة. ولم يجرؤ أحد على مراجعتها حتى اليوم.”

الدكتور عبيدالله فهد المحاضر بقسم الدراسات الإسلامية في جامعة اليجار الإسلامية 

هذه ليست حكاية استثنائية. هذا هو الواقع اليومي للأوقاف الإسلامية في الهند. ثروة هائلة تتبخر بين الإهمال والفساد والجهل، بينما أصحابها الحقيقيون يرزحون تحت خط الفقر.

لكن دعني أضع الصورة كاملة أمامك بالأرقام، لأن الأرقام هنا أصدق من أي كلام.


أكبر من تركيا… أكبر من السعودية… أكبر من الجميع

وفقاً لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة شؤون الأقليات الهندية عام 2024، تمتلك مجالس الأوقاف الإسلامية 872,852 عقاراً مسجّلاً، تمتد على مساحة 940,000 فدان. هذه المساحة تعادل تقريباً ضعف مساحة جزيرة موريشيوس، أو نصف مساحة ولاية البنجاب الهندية.

والمفاجأة الأكبر؟ هذا الرقم يجعل الهند صاحبة أكبر ملكية وقفية في العالم بأسره. نعم، أكبر من تركيا التي تحتل المرتبة الثانية، وأكبر من باكستان والسعودية وإندونيسيا وماليزيا مجتمعين. بل إن دولاً إسلامية عريقة كتركيا ومصر وليبيا والسودان ولبنان وسوريا والأردن وتونس والعراق لا تمتلك نظام وقف رسمياً أصلاً!

هذا الحجم الضخم يضع مجالس الأوقاف الإسلامية في المرتبة الثالثة بين أكبر ملّاك الأراضي في الهند، بعد القوات المسلحة والسكك الحديدية مباشرةً. أي أن الأوقاف الإسلامية تمتلك أراضي أكثر من أي ولاية هندية، وأكثر من أي شركة خاصة، وأكثر من أي مؤسسة دينية أخرى في البلاد.

ضريح هومايون وسط دلهي وهو من الأوقاف الإسلامية في الهند
حمام مغولي تقليدي تابع للوقف الاسلامي في دلهي 

أربعة عشر مليار دولار في الميزان

لنتحدث بلغة الأرقام الصادمة:

القيمة السوقية لهذه الأوقاف تُقدّر حالياً بـ 1.2 تريليون روبية هندية، أي ما يعادل 14.22 مليار دولار أمريكي وفق التقديرات الحكومية الرسمية. لكن هذا التقدير – الذي يعود إلى تقرير لجنة ساتشار عام 2006 – أصبح قديماً جداً ولا يعكس الواقع الحالي.

فلو نظرنا إلى أسعار العقارات في دلهي اليوم عام 2025، سنجد أن المتر المربع في المناطق الراقية كـ”فاسانت فيهار” يتراوح بين 280,000 و320,000 روبية (3,300-3,800 دولار). أما في منطقة “كونوت بليس” التجارية في قلب العاصمة، فيتجاوز سعر المتر المربع مليون روبية (نحو 12,000 دولار)! حتى المناطق المتوسطة كـ”كارول باغ” و”مايور فيهار” تتراوح أسعارها بين 80,000 و150,000 روبية للمتر المربع.

بهذه الحسابات، إذا أُعيد تقييم أصول الوقف بأسعار السوق الحالية، فإن قيمتها الحقيقية قد تتجاوز 30-40 مليار دولار بكل سهولة. نحن نتحدث عن ثروة مهولة تكفي لتغيير واقع 200 مليون مسلم هندي جذرياً.


الفجوة المؤلمة: من كل مئة دولار… دولار واحد فقط

والآن تأمّل هذه المفارقة المُرّة:

قدّرت لجنة ساتشار أن هذه الأوقاف قادرة على تحقيق عوائد سنوية لا تقل عن 120 مليار روبية (نحو 1.4 مليار دولار). وإذا احتسبنا القيمة السوقية الحقيقية اليوم، فالرقم قد يصل إلى 2-3 مليار دولار سنوياً.

لكن ما العائد الفعلي المُحقّق؟

163 كرور روبية فقط! أي ما يعادل 20 مليون دولار لا غير!

هذا يعني أن نسبة الاستفادة الفعلية لا تتجاوز 1.3%. بعبارة أبسط: من كل مئة دولار يمكن أن تُدرّها هذه الأوقاف، لا يصل إلى المستفيدين الحقيقيين سوى دولار واحد وثلث الدولار. الثمانية والتسعون دولاراً الباقية تتبخر في متاهات الإهمال والفساد وسوء الإدارة.


خريطة الضياع: أين تختفي الثروة؟

البيانات الرسمية تكشف حجم الكارثة بوضوح صادم:

من أصل 872,852 عقاراً مسجّلاً، هناك 58,896 عقاراً (7%) مُعتدى عليها من جهات حكومية وخاصة. و13,202 عقار (2%) غارقة في نزاعات قضائية تتراكم في المحاكم منذ سنوات. لكن الرقم الأكثر صدمة هو أن 436,169 عقاراً – أي 50% من المجموع – وضعها “مجهول” في السجلات الرسمية!

نصف أملاك الوقف لا أحد يعرف ماذا يحدث فيها بالضبط.

والمفارقة المؤلمة أنه من بين كل هذه العقارات، لا يوجد سوى 1,088 عقاراً فقط يمتلك صكوك وقف موثّقة رسمياً، و9,279 عقاراً لديه وثائق إثبات ملكية. الباقي يعتمد على الذاكرة الشفوية والتاريخ المتوارث.

في محاكم الأوقاف، تتراكم 40,951 قضية معلّقة تنتظر الفصل. ومن بين هذه القضايا، 9,942 قضية رفعها مسلمون أنفسهم ضد المؤسسات التي يُفترض أنها تحمي أوقافهم! هذا الرقم وحده يكشف حجم الإحباط وانهيار الثقة.


ماذا تملك هذه الأوقاف بالتحديد؟

توزيع الممتلكات الوقفية يكشف تنوعاً واسعاً:

المقابر والمدافن تشكّل 17% من المجموع. الأراضي الزراعية 16%. المساجد ودور العبادة 14%. المحلات التجارية والأسواق 13%. والباقي يتوزع بين مدارس ومستشفيات وأضرحة تاريخية ومبانٍ سكنية وخانات للمسافرين.

ولاية أوتارا براديش تتصدر القائمة بـ 217,161 عقاراً وقفياً، تليها البنغال الغربية بـ 80,480 عقاراً. أما ولاية تاميل نادو فتمتلك أكبر عدد من الممتلكات المنقولة بـ 8,605 أصل. في المقابل، لا توجد أي أوقاف مسجّلة في ولايات ميزورام وناغالاند وسيكيم.


تاج محل: الجوهرة المفقودة

من أكثر القصص إيلاماً قصة تاج محل نفسه. ذلك الضريح الأسطوري الذي يزوره ملايين السياح سنوياً، ويُدرّ عشرات الملايين من الدولارات.

تقدّم مجلس الأوقاف السنية في ولاية أوتارا براديش بدعوى تُثبت أنه وقف إسلامي سني. ثم جاء مجلس الأوقاف الشيعية بدعوى مماثلة. وبينما المسلمون منشغلون بخلافاتهم الطائفية، انتهزت الحكومة الفرصة ونقلت ملكية الموقع بالكامل إلى مصلحة الآثار. رفضت المحكمة العليا الدعاوى المقدمة “لعدم وجود أدلة وثائقية كافية”.

وهكذا خسر المسلمون – سنةً وشيعةً – واحداً من أثمن أصولهم التاريخية والاقتصادية، بينما تجني الحكومة عشرات الملايين سنوياً من رسوم الزيارة. درس قاسٍ في ثمن الانقسام وضعف التوثيق.


جيل لا يعرف ماذا يملك

ربما أخطر ما كشفته الدراسات الحديثة هو هذا الرقم المُفزع: 5% فقط من الشباب المسلم الهندي يعرفون ما هو الوقف أصلاً.

خمسة بالمئة فقط!

هذا يعني أن 95% من شباب المسلمين لا يدركون أن لمجتمعهم حقاً في هذه الثروة الهائلة. لا يعرفون أن أجدادهم أوقفوا هذه الأراضي والمباني لخدمتهم وخدمة أبنائهم. لا يعرفون أن هناك مليارات الدولارات من الأصول يُفترض أن تُموّل تعليمهم وعلاجهم ورعايتهم.

كيف تحمي ما لا تعرف بوجوده؟ كيف تطالب بحقٍّ لا تعلم أنه لك؟

هذا الجهل المنظّم هو الأرض الخصبة التي تنمو فيها كل أنواع الفساد والتعدي والإهمال.


2025: زلزال قانوني يهز المشهد

في أبريل 2025، أقرّ البرلمان الهندي قانون تعديل الوقف بعد نقاش ماراثوني استمر أكثر من 12 ساعة في مجلس النواب (لوك سابها) و14 ساعة في مجلس الشيوخ (راجيا سابها). صوّت 288 نائباً لصالح القانون مقابل 232 ضده في المجلس الأول، و128 مقابل 95 في الثاني.

القانون الجديد – الذي أُعيدت تسميته بـ”قانون الإدارة الموحدة للوقف والتمكين والكفاءة والتنمية” – يتضمن تغييرات جوهرية أثارت جدلاً واسعاً.

من الإصلاحات الإيجابية:

في يونيو 2025، أطلقت الحكومة بوابة “أُميد” الإلكترونية لتسجيل جميع أملاك الوقف رقمياً خلال ستة أشهر، مع اشتراط التحديد الجغرافي الدقيق لكل عقار. كما فرض القانون تدقيقاً مالياً سنوياً على كل مؤسسة وقفية يتجاوز دخلها 100,000 روبية. وخُفّضت نسبة المساهمة الإلزامية من 7% إلى 5%، مما يتيح توجيه مزيد من الموارد للأغراض الخيرية.

كما ضمن القانون حقوق المرأة في الميراث قبل أي إعلان وقفي جديد، وألزم بتمثيل امرأتين مسلمتين على الأقل في كل مجلس وقف. وفُتح الباب لتمثيل مختلف الطوائف: سنة وشيعة وبهرة وأغاخان.

من المخاوف المشروعة:

لكن القانون أثار قلقاً حقيقياً لدى قطاع واسع من المسلمين. فقد سمح بإدخال أعضاء غير مسلمين في مجالس الوقف (حتى أربعة أعضاء في المجلس المركزي وثلاثة في المجالس الولائية). وألغى مفهوم “الوقف بالاستعمال” الذي كان يحمي مساجد وأضرحة قائمة منذ قرون لكنها تفتقر للوثائق الرسمية. ومنح صلاحيات واسعة لمسؤولين حكوميين (بدرجة أعلى من المحصّل) لتحديد ما إذا كانت أرض ما تابعة للوقف أم لا.

النتيجة كانت موجة احتجاجات واسعة. في حيدر آباد، خرج الآلاف تحت شعار “أنقذوا الوقف، أنقذوا الدستور”. وفي كوتاك بولاية أوديشا، سار المئات وهم يرتدون أشرطة سوداء. وتقدّم سياسيون بارزون من أحزاب المعارضة وعلماء دين بطعون دستورية أمام المحكمة العليا.

القضية الآن أمام هيئة قضائية برئاسة رئيس المحكمة العليا، والمعركة القانونية في أوجها.


في ولاية ماديا براديش: نموذج للاستيلاء

في يناير 2025، هدمت السلطات مسجد “تكية” التاريخي الذي يعود عمره لأكثر من قرن في مدينة أوجّين بولاية ماديا براديش. المسجد كان مبنياً على أرض وقفية موثّقة في سجلات حكومية تعود لعام 1985 تُثبت أنها مقبرة إسلامية.

المبرر الرسمي؟ توسعة البنية التحتية استعداداً لمهرجان “كومبه ميلا” الهندوسي عام 2028. دفعت الحكومة 330 مليون روبية (3.8 مليون دولار) كتعويضات للسكان الذين هُدمت منازلهم ومحلاتهم، لكنها لم تدفع شيئاً لمجلس الوقف صاحب الأرض الأصلي!

حين سُئل سناور باتيل، رئيس مجلس الوقف في الولاية وأحد قيادات حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، عن سبب عدم الطعن في قرار الاستيلاء، أجاب بصراحة صادمة: “سأفعل ما يأمرني به الحزب، لأنني هنا بفضل الحزب.”

واعترف باتيل أن أكثر من 90% من أملاك الوقف في الولاية إما مُعتدى عليها أو في نزاعات قضائية. هذا في ولاية واحدة فقط!


الحلم الممكن: ماذا لو…؟

دعني آخذك في رحلة خيالية واقعية:

ملياران من الدولارات سنوياً – وهو الحد الأدنى للعوائد الممكنة – تعني:

  • بناء 200 مستشفى متكامل في المناطق المهمّشة (بتكلفة 10 ملايين دولار للمستشفى الواحد).
  • تقديم 400,000 منحة دراسية كاملة سنوياً للطلاب الفقراء (بقيمة 5,000 دولار للمنحة).
  • إنشاء 1,000 مركز تدريب مهني يُخرّج مئات الآلاف من الشباب المؤهلين.
  • تمويل صناديق تمويل أصغر تدعم عشرات الآلاف من رواد الأعمال.
  • إنشاء شبكة من دور الرعاية للأيتام والأرامل والمسنين في كل ولاية.

المسلمون في الهند يشكّلون 14% من السكان، أي نحو 200 مليون نسمة. وهم – وفق تقرير ساتشار الحكومي نفسه – الأكثر فقراً بين جميع الأقليات الدينية في البلاد. تخيّل لو وصلت إليهم ثروتهم المحتجزة. تخيّل لو استُثمرت هذه الأصول بكفاءة تُعادل حتى 10% مما تحققه صناديق الاستثمار العادية.


من شيخ الإسلام إلى مجهول الحال

يعود تاريخ الوقف الإسلامي في الهند إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حين وثّق المؤرخ ضياء الدين البرني وقفيات السلطان جلال الدين فيروز خليجي، مؤسس سلطنة دلهي. على مدى ثمانية قرون، تراكمت هذه الثروة من سلاطين وأمراء وتجار وعلماء، كلهم ساهموا في بناء شبكة وقفية لا مثيل لها.

كانت إدارة “شيخ الإسلام” – أعلى مرجعية دينية في الدولة – تُشرف على توجيه العوائد: مدارس للفقراء، مستشفيات للمرضى، خانات للمسافرين، مطابخ للجوعى. نظام متكامل للتكافل الاجتماعي سبق به المسلمون العالم في العمل الخيري المؤسسي.

ثم جاء الاستعمار البريطاني وبدأ التآكل. وبعد الاستقلال، سُنّ قانون الوقف عام 1954، ثم قانون 1995، ثم تعديلات 2013، وأخيراً قانون 2025. لكن الواقع أن المؤسسات المتعاقبة فشلت في حماية هذا الإرث أو تنميته.


ماذا بعد؟

السؤال الأهم ليس موجهاً للحكومة وحدها، ولا للمحاكم، ولا لمجالس الوقف.

السؤال موجه لكل مسلم هندي، ولكل مسلم في العالم يهمّه أمر إخوانه:

هل تعرف أين يقع أقرب وقف إسلامي في منطقتك؟ هل تعرف من يديره وكيف تُصرف عوائده؟ هل سألت يوماً عن حقك في هذا الإرث العظيم؟

الوقف ليس ملك الحكومة، ولا ملك المجالس، ولا ملك المتولّين. الوقف ملك الأمة كلها. ملكك أنت. وحمايته تبدأ بالمعرفة، ثم بالمطالبة، ثم بالعمل.

فهل آن الأوان لنستيقظ؟


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى