Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وحياة

​بين منارات العلم ونفحات الإيمان: تأملات في رحاب حيدر آباد

​بفضل الله وتوفيقه، كانت رحلتي إلى مدينة حيدر آباد التاريخية في الفترة من العشرين وحتى الثالث والعشرين من فبراير لعام ٢٠٢٦م، رحلةً فريدة امتزج فيها جلال البحث العلمي ببركات الطاعة في شهر رمضان المبارك. لم تكن هذه الزيارة بالنسبة لي مجرد محطة عابرة في سجل الأسفار، بل كانت زيارتي الرابعة لهذه الحاضرة التي أسسها السلطان محمد قلي قطب شاه عام ١٥٩١م، لتغدو لؤلؤة إقليم “الدكن” ومركزاً مشعاً للحضارة الإسلامية في قلب الهند. هنا، حيث تعانق مآذن “تشارمينار” الشامخة عبق التاريخ الذي سطره “نظام الملك” وأسلافه، تشعر أنك في مدينة لم يزدها مرور القرون إلا شموخاً، فاستحقت أن تكون منارة للعلم والثقافة وملتقىً للأرواح الباحثة عن الحقيقة.

زيارة تشارمينار مع الأصدقاء


​استهلت الرحلة مسيرها بالوصول إلى مطار حيدر آباد الدولي في ضحى يوم الجمعة، وما إن حطت الرحال حتى كان نداء الجمعة يملأ الأرجاء بصداه الإيماني، فكان البدء من بيوت الله في أحد المساجد القريبة، حيث منحتنا الخطبة زاداً روحياً مهد لما سيأتي من نشاط معرفي. وقد اتسمت هذه الرحلة بلمسة عائلية وتربوية دافئة أضفت على الغربة أنساً؛ حيث حظيتُ باستضافة كريمة من ابني ورفاقه النجباء الذين أحاطوني بكامل عنايتهم، كما غمرني طلابي الأوفياء بفيض من كرمهم الأصيل، فكانت موائد الإفطار التي أقاموها على شرفي فرصةً نادرة لتجديد أواصر المودة والوفاء، وتجسيداً حياً لبركة الاجتماع على مائدة الصيام في هذا الشهر الفضيل.

​ومع بزوغ شمس يوم السبت، تهيأت النفس للحدث الأهم، فتوجهنا مع اقتراب صلاة العصر إلى مقر الفعالية العلمية المركزية، ممتثلين لأدب الوقت بالحضور المبكر الذي يتيح التأمل قبل اللقاء. وقد شهدت هذه الليلة المباركة الحدث الأبرز في مسيرتي العلمية مؤخراً، وهو تدشين كتابي “قرآن بورول” (Quran Porul)؛ هذا العمل الذي تشرفت بإصداره وتدشينه على يد سعادة أمير حلقة الجماعة الإسلامية، في مشهدٍ اختصر سنوات طوال من البحث والتدبر والتأمل في معاني الكتاب الحكيم. وما زاد هذه الليلة ثراءً وبهجة، هو ذلك الجمع النير من الطلاب والباحثين الذين قدموا من كبرى الصروح الأكاديمية مثل جامعة اللغات الإنجليزية والأجنبية (EFLU) وجامعة حيدر آباد (HCU). ومن خلال الحوارات الفكرية العميقة التي دارت في أروقة اللقاء، اطلعتُ عن كثب على تجاربهم الأكاديمية والمناهج اللسانية الحديثة، مما منحني صورة جلية ومشرفة عن الواقع التعليمي المتميز والنهضة المعرفية التي تشهدها هذه المدينة.

​وكان لا بد لهذه الرحلة أن تكتمل بالانغماس في تفاصيل المدينة الشعبية التي تنبض بالحياة؛ ففي منطقة “تشارمينار” التاريخية، وبين أزقتها التي تفوح بعبق الماضي، تذوقنا “شاي الإيراني” الأصيل بنكهته الفريدة، واستمتعنا بطبق “الحليم” الحيدرآبادي الذي يعد أيقونة الموائد الرمضانية هنا، حيث يمتزج المذاق بالتراث في مشهد اجتماعي مهيب. كما زادت التجربة ثراءً بزيارة مطعمي “الوادي” و“شاه غوث” (Shah Ghouse)، لنعيش فصلاً من فصول الضيافة الدكنية العريقة. وفي لفتة كريمة تعكس نبل الأخلاق، أهداني طالبي العزيز إسماعيل علبة من أفخر أنواع البسكويت من “مخبز سبحان” (Subhan Bakery) ذائع الصيت، لتكون تلك الهدية بمثابة مذاقٍ حلوٍ لذكرى لا تنسى. ومع انقضاء آخر إفطار لنا يوم الاثنين، توجهنا إلى المطار بتمام الساعة التاسعة مساءً، لنغادر حيدر آباد وقد تركنا فيها جزءاً من وجداننا، وحملنا منها زاداً فكرياً ومشاعر نبيلة ستبقى محفورة في ذاكرة الزمن، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى