رأي

مستقبل المسلمين في الهند

سلطت نتائج الانتخابات التشريعية الهندية في الولايات الخمس التي جرت فيها الانتخابات مؤخرا الضوء على الهيمنة السياسية لحزب بهاراتيا جاناتا حيث فاز بأربع مقاعد، ويُنظر إلى هذه النتائج على نطاق واسع على أنها عرض مسبق للانتخابات العامة المقرر إجراؤها في عام 2024، ومؤشر على الاتجاه الذي تتجه إليه الهند على المدى الطويل. وأظهرت هذه النتائج أنه لم تخسر المعارضة فحسب، بل المسلمون في الهند الذين تعرضوا للإرهاب والتمييز بشكل متزايد منذ وصول حكومة ناريندرا مودي إلى السلطة لأول مرة في عام 2014.

كانت الحملة السياسية للحزب الحاكم، لا سيما في ولاية أوتار براديش ذات الأهمية السياسية، حملة استقطابية حيث وصفها رئيس الوزراء يوجي أديتياناث على أنها معركة بين 80 ٪ من السكان الهندوس و20 ٪ من المسلمين. 

بالنظر إلى العداء الذي أصبح معتادًا الآن ضد المسلمين، بدءًا من ملاحقتهم بسبب ارتداء الحجاب ومرورا بالإعدام دون محاكمة بسبب نقل الماشية، ووصولا إلى أعمال عنف مستمرة ضدهم في مختلف أماكن الهند، من الصعب أن نتخيل مجتمعا يتعرض لإذلال أكبر من هذا في أي مكان في العالم. 

تهميش المسلمين المخطط

أظهر تحليل في عام 2019 أن نسبة الشباب الملتحقين بالمؤسسات التعليمية كانت الأقل بين المسلمين. تم تسجيل 39 ٪ فقط من المسلمين في الفئة العمرية 15-24 مقابل 44 ٪ للطوائف المجدولة، و51 ٪ للطبقات المتخلفة الأخرى و59 ٪ للطبقات العليا الهندوسية.

كانت نسبة الشباب الذين أكملوا تخرجهم بين المسلمين في 2017-2018م  14 ٪ مقارنة بـ 18 ٪ لطبقات الدايت، و25 ٪ للطبقات المتخلفة الأخرى،و37 ٪ للطبقات العليا الهندوسية. كانت الفجوة بين الطوائف المنبوذة والمسلمين 4٪ في 2017-2018. قبل ست سنوات، في عامي 2011 و2012، كان شباب الطوائف المجدولة أعلى بنقطة مئوية واحدة من المسلمين في التحصيل العلمي. اتسعت الفجوة بين جميع الهندوس والمسلمين من تسع نقاط مئوية في 2011-12 إلى 11 في 2017-18.

كان أداء الشباب المسلم في الولايات التي يهيمن فيها حزب بهاراتيا جاناتا الأسوأ. كان التحصيل التعليمي هو الأدنى في ولاية هاريانا بنسبة 3٪ في 2017-2018 و11٪ في ولاية أوتار براديش.

أصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للنساء. وفقًا لليونسكو، يبلغ معدل معرفة القراءة والكتابة لدى النساء في الهند 62.8 ٪، لكن نسبة النساء المسلمات كانت حوالي 52 ٪ فقط، وهي واحدة من أدنى المعدلات في الهند. من الواضح أن المرأة تواجه العديد من التحديات في الهند، لكن أولئك الذين ينتمون إلى المجتمعات المهمشة يواجهون عقبات أكبر. ليست النزعة المحافظة هي التي تعيقهم من التقدم، بل الخوف الحقيقي من المضايقات المعادية للإسلام هو الذي يبقيهم خارج المؤسسات التعليمية.

إن التهميش الاجتماعي والاقتصادي للمسلمين في جميع أنحاء البلاد ليس مفاجئًا. هناك أخبار يومية عن مقاطعة شركات المسلمين. وقد أُجبر العديد من العاملين والباعة على جانب الطريق على استخدام الأسماء المستعارة الهندوسية لكسب لقمة العيش اليومية لأسرهم. وإذا تم اكتشاف ذلك، فسيواجهون الضرب العلني وقضايا الشرطة والسجن والقتل والمقاطعة وعليهم أن يتوقعوا أي شيء غير متوقع في حياتهم.  

ويذكر أن بائع مسلم للخبز الهندي “دوزا” تعرض لمضايقات من قبل نشطاء هندوتفا في ماثورا العام الماضي. هذه ليست حالات منعزلة أو مقصورة على الاقتصاد غير الرسمي. أظهر تحليل مؤخر أن المسلمين يمثلون 2.67 ٪ فقط من المديرين وكبار المديرين التنفيذيين – 62 من بين 2324 مديرًا تنفيذيًا – من بين أكبر 500 شركة في بورصة بومباي. 

كان المسلمون في الإدارة العليا لأكبر 100  شركة في بورصة بومباي أعلى قليلاً عند 4.60 ٪ – 27 من 587 – من إجمالي المديرين وكبار المديرين التنفيذيين ، لكن حصتهم من المكافآت كانت 2.56 ٪ فقط. في نفس الوقت، كانت نسبة المسلمين في الوظائف الحكومية أقل من نصف نسبتهم من السكان. ومع ذلك، وصلت نسبة النساء المسلمات إلى أدنى معدل مشاركة في القوى العاملة على الرغم من وجود 70 مليون متعلم بين النساء المسلمات.

فقدان الثقة بالنظام الحكومي

الواقع الاجتماعي والسياسي يضع المسلمين في وضع غير آمن في بيئاتهم اليومية حتى فقدوا ثقتهم الكامل بهيئات صنع القانون وإنفاذ القانون. قد أغلقت أمامهم أبواب الفرص الحياتية والعدالة معا. ولهذا السبب يلجأ العديد من المسلمين إلى الأمن الخاص بهم، والانسحاب إلى الأحياء الفقيرة، الأمر الذي يزيد من تقييدهم فيما يتعلق بالسكن والتعليم والعمل. هذه هي الضغوط التي تديم دورة الأمية والفقر فيهم بلا نهاية، وتدفعهم إلى أحضان المتطرفين، كما تقوم بدورها في إعاقة نشأة قيادة إسلامية تقدمية في البلاد. في الواقع، قالت لجنة ساشار بوضوح أن أربعة بالمائة فقط من الطلاب المسلمين يذهبون إلى المدارس.

كان المسلمون في الهند يعانون بعدم وجود مساواة حقيقية من قبل، ولكن قد يكون التحدي الأكبر اليوم هو تآكل ثقتهم السريع بحكومة الهند. ومن السهل للسياسيين ووسائل الإعلام أن يلقوا اللوم على رجال الدين مع أنهم لا يخصصون مقدار وقت كاف لمناقشة القضايا الحقيقية التي يواجهها المسلمون. ذكرت دراسة أجرتها لجنة الأقليات القومية أن وسائل الإعلام الهندية تهتم بتغطية القضايا المثيرة المتعلقة بالمسلمين أكثر من اهتمامها بالقضايا التنموية الجادة.وهم يعرفون جيدا أنه لا يمكن كسب المعركة ضد المحافظين والمتطرفين إلا إذا تم تعليم المسلمين العوام وتوظيفهم في مناصب الدولة التي تلعب دور التمكين.

استغلال الفرصة في وقت المحن

التحدي الذي يواجهه المسلمون حاليا هو استغلال هذا الوقت من المحن الكبيرة كفرصة، واعتباره وقتا أفضل لتغيير المقولة المزدوجة الراسخة التي تصف المسلمين إما كضحايا أعمال شغب أو مرتكبيها.

من المعرف أن قصص المسلمين تأتي في وسائل الإعلام المتحيزة أو الأعمال العلمية التي يكتبها “سياح فقراء” يزورون المجتمع الهندي للبحث ثم ينسونه. فبالتالي، قد حان الوقت للمسلمين أن يستعيدوا قصصهم ويصبحوا رواة. لحسن الحظ، هناك العديد من المسلمين – وخاصة الشباب – الذين يروون هذه القصص من خلال أنواع الفن ومنصات التواصل الاجتماعية ووسائل الإعلام المختلفة. على سبيل المثال، عمل الصحفية رنا أيوب حيث تتحدى المفاهيم المقبولة على نطاق واسع حول المجتمع وتكشف عن حقيقة استهداف المسلمين.

وأيضًا هذا هو الوقت المناسب للحفاظ على حقوقهم. ويبدو أن هذا الإدراك قد بدأ فعلا، حيث رأينا أن معظم المناهضات ضد قانون تعديل المواطنة كانت بقيادة النساء المسلمات، وأصبحن مصدر إلهام للعالم بأسره. وكان ردع الطالبات المسلمات في ولاية كارناتاكا ضد حظر الحجاب أمرًا ملهما آخر. وقد دفع الكثيرون ثمنا باهظا لخلق هذا الإدراك – مثل الناشطين السجناء شارجيل إمام وعمر خالد وكذلك الصحفيين مثل صديق كابان. ومع ذلك، يجب على المسلمين بالتضامن مع المجتمع الهندي المسالم أن يسعوا جاهدين ككل لدعم هؤلاء الشجعاء فيهم. 

والأمر الثالث والأهم هو عدم المساومة بشأن التعليم – خاصة بالنسبة للفتيات. إن التعليم الحديث في المدارس العامة بهدف استخدامه فيما بعد للارتقاء الاجتماعي، هو أقوى أداة يمكن أن يستخدمها المجتمع الإسلامي ضد التهميش الاقتصادي. ويجب على قادة المسلمين أن يجعلوا التعليم رسالتهم المركزية ويعملوا من أجل تحقيق النتائج المرجوة.

هذا لا يعني أن تلقى مسؤولية مثل هذه التغييرات على عاتق المسلمين وحدهم وإعفاء الآخرين عن دورهم في إغلاق باب التمييز ضد المسلمين وغيرهم من الطبقات المنبوذة في الهند. 

كما ينبغي على الشباب المسلم المتعلم تولي زمام القيادة في الإصلاحات الدينية والمجتمعية مع ضمان دعم حكومي وسياسي قوي لأعمالهم. وعليهم أن يعملوا ويتوحدوا من أجل انتخاب حكومة قادرة على توفير بنية تحتية اجتماعية لهم في المستقبل في قطاعي الصحة والتعليم وإزالة الكراهية من المجتمع الهندي التي أوشكت أن تهلكها تماما.  

نعم، المسلمون الهنود عند مفترق طرق جديد، وكذلك الهند. سيؤدي التهميش طويل الأمد لـ 200 مليون مواطن إلى زعزعة استقرار المجتمع الهندي وسيبتلع هذا الاضطراب كل مجتمع في العالم. والهند بحاجة إلى الاستقرار الاجتماعي لكي تصبح مرة أخرى المحرك العالمي للنمو، وذلك لا يمكن إلا من خلال التوسيع الحقيقي للفرص التعليمية والاقتصادية لجميع المواطنين وجعله رسالة وطنية من أجل تحقيق الرعاية الاجتماعية السليمة.  وعلى جميع الهنود أن يذكروا أنفسهم عن قيم الشمولية والوحدة التي يمثلهما دستورنا حتى نجعله أفضل نظام ديموقراطي في العالم مرة أخرى. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى