رأي

هل تعلم مسلمو الهند من أخطائهم الماضية ؟

في الآونة الأخيرة، قد شهدت الهند أحداثا متتالية مخططة لإثارة مشاعر المسلمين مثل حظر صلاة الجمعة في غوروغرام وحملة “دارما سانساد” تدعو إلى الإبادة الجماعية للمسلمين وبيع النساء المسلمات بالمزاد العلني عبر المواقع الإلكترونية.

وقد يسأل أي عاقل يتابع الأحداث في الهند التي تدعي أنها أكبر دولة ديموقراطية في العالم: ما الذي يجري فعلا؟ هل جن جنون الهند تماما؟ أم فقدت عقلها وروحها؟! إنه أمر مخز ومثير للاشمئزاز ومحزن في نفس الوقت.

وإذا فكرنا قليلا عن أسباب هذه الموجة المفاجئة من التحركات الاستفزازية التي تستهدف المسلمين واختيار الوقت الحالي لتنفيذها، لا يمكننا أن نعتبرها مزاحا بلا هدف.

بل إنها في الأساس سياسة مدروسة سيتم تطبيقها بناء على الاستشارات المقدمة من قبل كبرى الشركات العالمية في مجال إدارة العلاقات العامة ولا علاقة لها بالدارما. ومن الواضح أن السياسة لها علاقة بانتخابات ولاية أوتار براديش والغرض منها هو استفزاز المسلمين لإنزالهم إلى الشوارع وإشراكهم في الخطاب المعادي للهندوس بهدف تحويل مشاعر الهندوس إلى الأصوات لصالح حزب بهارتيا جاناتا.

والسبب هو أن حزب بهاراتيا جاناتا يبدو متوترًا في ولاية أوتار براديش ويخاف كثيرا عن احتمال فشله في الانتخابات القادمة على الرغم من موارده وقوة المال والدعاية الكبيرة عن “عمله النموذجي” في الولاية.

وقد بدأ رئيس الوزراء ناريندرا مودي يلعب بطاقات “التنمية” و”عداوة المسلمين” في أوتار براديش وذلك بإبرازه كإمبراطور وتذكير الناس بعواقب رجوع أمثال أورنجزيب وهو واقف في “ممر كاشي” وافتتاح الطرق السريعة والمشاريع المتنوعة في نفس الوقت وهي طريقة مودي القديمة التي تجمع بين تهديد الناس عن انعدام الأمن واستقطابهم بأحلام التنمية.

هذه المرة يبدو أن ولاية أوتار براديش تبحث عن تجربة خيارات مختلفة، كما تشير إليها حشود ضخمة من الحضور في تجمعات بريانكا غاندي وأخيليش ياداف، حيث يبدو أن الهتافات ضد المسلمين قد فقدت فاعليتها خلافا لعام 2017 والعديد من الوعود غير المحققة قد أضعفت مصداقية مودي وأن الحيل القديمة فقدت لسعتها.

كبير الوزراء يوغي أديتياناث يشكل مشكلة خطيرة أخرى في أوتار براديش حيث أصبحت الآن أمتعة أفعاله وأقواله في السنوات الخمس الماضية عبئا على حزب بهاراتيا جاناتا عندما يواجه الانتخابات.

كما يبدو أن الجميع من الصحفيين العاديين إلى النشطاء الذين واجهوا غضب إدارة يوغي القاسية على إنهاء حكومته وخدعته للمجتمع المدني كنتيجة طبيعية لعدم تسامحه مع الانتقادات.

وإن ذكريات الآلاف الذين يموتون نتيجة لعدم حصولهم على الرعاية الطبية الكافية خلال الموجة الثانية من الوباء العام الماضي في الولاية مع صور الجثث التي تطفو في نهر الجانج لا تزال حية في أذهان الناس وتطارد الذاكرة العامة.

ويذكر أن طبقات الداليت والعديد من الطوائف المتخلفة يبتعدون عن حزب بهاراتيا جاناتا في الولاية وهناك تقارير تفيد بأن المسلمين يتجهون إلى التصويت الاستراتيجي مع فشل خطاب أسد الدين أواسي، على ما يبدو، في التأثير عليهم.

طبعا إنها أنباء مقلقة بالنسبة لحزب بهاراتيا جاناتا. كما يقول المثل السياسي القديم “إذا خرجت لكناو من قبضة حزب سياسي، فسيصبح من الصعب له الاحتفاظ بدلهي”.

ونظرًا لاقتراب الانتخابات المركزية في عام 2024 لا بد أن تثير بوادر عدم الأمان في لكناو قلقًا خطيرًا في رؤوس زعماء حزب بهاراتيا جاناتا في دلهي، ما يؤدي إلى محاولة يائسة لتأمين السلطة في لكناو مهما كانت الكلفة.

لسوء حظ حزب بهاراتيا جاناتا، كان عليه أن يلجأ إلى لعب بطاقات الدين والكراهية للفوز بالانتخابات، على الرغم من أن سياسات المعبد يبدو أنها فقدت جاذبيتها إلى حد كبير. وقد تمت الدعوة إلى إقامة المعابد في أيوديا وكاشي وماثورا ، كما كان متوقعًا، لكن يبدو أنها لا يتم بيعها مثل بطاقة معبد رام في التسعينيات.

ويواجه حزب بهاراتيا جاناتا حاليا مشكلة في أوتار بردايش بسبب عدم وجود “عدو” مسلم ملموس مثل لجنة عمل مسجد بابري لإثارة ردود فعل هندوسية والتحريض عليها الآن. ولا توجد مقاومة مسلمة لمعابد كاشي أو ماثورا كما حدث لمعبد رام في أيوديا.

فقاموا بنشر الكراهية ضد المسلمين وتصويرهم على أنهم أعداء في أذهان الهندوس وحاولوا لإحضار المسلمين إلى الشوارع بطريقة ما، لكي يجعلوا المسلمين المتعصبين ينتقمون بالمثل ويصمدوا أمام التهديدات حتى يستفيدوا من تراكم ردود الفعل الهندوسية.

كما صمموا المعارضة في غوروغرام على أداء صلاة الجمعة في الأماكن العامة المخصصة بعد إغلاق المساجد ومنع الإذن ببناء طوابق إضافية فوق المساجد القائمة، بالإضافة إلى تصميم الدعوة إلى الإبادة الجماعية ومزاد النساء المسلمات عبر الإنترنت لإثارة رد فعل إسلامي عنيف من أجل بيع كراهية الهندوس ضد أورنجزيب بمجرد ظهور قيادة إسلامية متعصبة كمتحدث باسم الأمة المسلمة.

لكن لسوء حظ حزب بهاراتيا جاناتا، لم يدخل المسلمون في الفخ مرة أخرى، حيث إنهم تعلموا من أخطاء الماضي وأصبحوا أكثر حكمة. هناك درسان مهمان تعلمهما المسلمون الهنود من أخطاء الماضي. أولاً، سياسة الشارع العاطفية المصاغة بخطاب ديني مثل صرخات التكبير تأتي بنتائج عكسية وتقوي صرخات جاي سري رام ما يجلب المعاناة فقط على المسلمين في النهاية كما حدث في عشرات أعمال الشغب الطائفية ضد المسلمين.

ثانيًا، أدى الموقف العنيد الخاص بمجلس قانون الأحوال الشخصية لمسلمي الهند بشأن قضية الطلاق الثلاثي لعقود إلى تشويه سمعة القيادة الإسلامية المحافظة التي يقودها رجال الدين منذ أيام فتح بوابات مسجد بابري في عام 1986.

وقد صدم المجتمع الهندي بتنفيذ تكتيكات حزب بهارتينا جاناتا عن طريق سانغ باريفار من أجل إرهاب المسلمين بالقتل العشوائي.

والآن، قد تعلم المسلمون ألا يردوا على الاستفزازات، وجعلوا استراتيجيتهم هي الانتظار والصبر لكي تمر العواصف حتى تهدأ بنفسها. 

قد أثارت الدعوة إلى الإبادة الجماعية للمسلمين وبيع النساء المسلمات في المزاد العلني اشمئزازا ورد فعل في جميع أنحاء العالم بما فيهم الهندوس الليبراليين. 

في حين بلاد المسلمين تظهر التسامح مع الأديان الأخرى أكثر من أي زمن مضى مثل باكستان التي تعيد بناء المعابد التي هُدمت في الماضي وتدعو الهندوس للعبادة والصلاة في المعابد التي أعيد بناؤها، من الممكن تمامًا أن تؤدي حيل الطائفيين القذرة في الهند إلى تغيير الرأي بين الهندوس الهنود الذين وقعوا فريسة لسياسة الكراهية ومنحهم فرص للعودة إلى مُثل الهند الديموقراطية ومجدها المفقود. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى