رأي

أزمة ميانمار: على الهند الوقوف إلى جانب المستقبل

براتاب بهانو ميهتا

من خلال تهميش الدوافع الإنسانية الأساسية في استجابتها لأزمة ميانمار، لن تحقق الهند مُثُلها ولا أهدافها الاستراتيجية.

إن المأساة الإنسانية في ميانمار التي يرعاها الجيش (تاتماداو) بإلغاء نتائج الانتخابات في الشهر الماضي تنذر بدورة جديدة من القمع السياسي والكارثة الإنسانية وعدم الاستقرار الجيوسياسي.

براتاب بهانو ميهتا

ستجر الهند حتماً إلى قطار الأحداث بسبب قربها من ميانمار ودورها الجيوسياسي ومصالحها، حيث يعتبر التحدي الأكثر إلحاحًا هو التعامل مع أزمة اللاجئين التي حدثت خلال هذا الانقلاب.

كان رئيس وزراء ميزورام، زورامثانغا، محقًا في كتابته إلى الحكومة المركزية بأن الهند لا يمكنها تجاهل الأزمة الإنسانية التي تتأجج في فناء منزلنا الخلفي، وتظل “غير مبالية” بمعاناة أولئك الذين يعبرون الحدود.

لحسن الحظ، سحبت حكومة مانيبور تعميمًا مخزيًا كان من شأنه أن يحظر تقديم مساعدة لضحايا الاضطهاد السياسي. هذا التعميم، لو تم تطبيقه، لكان مشوها للغاية لصورة الهند. لا ينبغي أن تكون كيفية تعاملنا مع ضحايا هذه الأزمة مدفوعة بممارسة في إدارة الصورة فحسب، بل يجب أن نأخذ وجهة النظر الإنسانية والسياسية الأكبر.

ومن المؤسف أن الدول الغنية والقوية لم تهتم بصياغة استجابة مناسبة متعددة الأطراف لأزمة اللاجئين هذه. كما لا نتوقع من جيران ميانمار الآخرين، وخاصة دول الآسيان، أن يفعلوا الحد الأدنى من الأشياء اللائقة. ونعرف جيدا أن مساعدة اللاجئين ليست بلا تكلفة، فعلى الدولة أن تتحمله بدلا من إلقائها على عاتق بعض الولايات فقط.

ولكن الهند تخاطر الآن بالانتقال من “الغموض الاستراتيجي إلى الاستبعاد” وذلك تمشايا مع المزاج الأيديولوجي لعصرنا، حيث يتم التجاهل عن تعقيدات المآزق البشرية نتيجة لتفاقم كراهية الأجانب والارتياب بهم والتمييز ضدهم، ما يجعلهم يفكرون بأن أي مجموعة لا تفيد تفسيرهم الجديد للقومية لا تستحق أي اعتبار.

ومن الإنسانية والالتزام بالمعايير الأساسية للحشمة أن نقوم بتوفير نوع من الملاذ الآمن للاجئين. فيجب أن يكون مبدأ عدم الإعادة القسرية في معاملة الفارين من الاضطهاد، لأنه حجر الزاوية في استجابة أي دولة متحضرة لأي كارثة إنسانية. وبالتالي، يجب أن يكون من الواضح موقف الهند في هذا الشأن.

وهناك حجة سياسية لصياغة سياسة أكثر سخاءً وإبداعًا. أولاً، تنتشر الاحتجاجات من أجل الديمقراطية على نطاق واسع، ويشارك فيها الشباب بقيادة معارضة حقيقية للحكم العسكري. فقد حان الوقت بالنسبة للهند أن تقرر ما إذا كانت تقف إلى جانب المستقبل أم لا. ثانياً، ستتحمل الولايات الشمالية الشرقية مثل مانيبور وميزورام تكاليف مساعدة اللاجئين. كل هذا يدعو إلى صياغة سياسة أكثر سخاءً وإبداعًا.

ادعى أفيناش باليوال، أحد الكتاب المشهورين في ميانمار، في مقاله: “التنافس الاستراتيجي والسياسة المحلية في المفترق الثلاثي بين الهند والصين وميانمار” حيث قال إن مخاوف الولايات الشمالية الشرقية قد تم تهميشها تاريخيًا في تعامل الهند مع ” المفترق الثلاثي”. كان هذا جزئيًا بسبب مخاوفها بشأن مكافحة التمرد، وجزئيًا بسبب الاشتباه في القوى السياسية في الشمال الشرقي.

ولكن في هذا المنعطف التاريخي، فإن تجاهل المشاعر الإنسانية في الشمال الشرقي، سيكون بمثابة إشارة محتملة إلى تهميشهم في حسابات الهند. ثالثًا، يجب التعامل مع مخاوف مكافحة التمرد والتخريب بذكاء. إذا نعتمد فقط على التعاون مع جيش ميانمار، دون دعم السكان المحليين، فسوف نعرض أنفسنا مرة أخرى لمشاكل طويلة الأجل، لأن سمعة الدولة فيما يتعلق بإدارة المخاوف الإنسانية ورفاهية الناس هي أحد الأصول الاستراتيجية، وليست أعباء، إذا نلعب لفترة طويلة الأجل. فيجب أن تتمتع الهند الآن بالثقة في قدرتها على التعامل مع أي مخاطر سياسية وعسكرية على السواء والتي تنشأ أحيانًا في سياق القيام بالأمر اللائق. ولكن بإغلاق حدودها، فإنها لا ترسل إشارة قوة بل إشارة ضعف، حيث يدل على أن موقفها هش للغاية، لدرجة أنها تعتقد أن التمسك بمبدأ عدم الإعادة القسرية يشكل خطرا.

رابعًا، لم يتضح بعد ماذا سيكون موقف الهند من التطورات السياسة داخل ميانمار. وفي ظل توتراتها الراهنة مع كل من روسيا والصين ترى الآن ميانمار من منظور جيوسياسي، وتعتقد أن المخاطر على الهند ستكون كبيرة.

صحيح أن الخيارات ليست سهلة أمام الهند، حيث ظل جيش ميانمار الذي يزعج جميع التحليلات موحدًا وقمعيًا في الغالب. ونعلم من التجربة التاريخية أنه ما لم يكن هناك انقسام كبير في الهياكل العسكرية، يمكنهم البقاء لفترة طويلة في القمع الوحشي. ويتضح من مأساة ميانمار أن شعبها يبدو أكثر استعدادًا للديمقراطية، في حين جيشها يصير أكثر قمعية، ونخبها، بما فيهم أونغ سان سو كي، يصبحون أكثر تحفظًا في تسخير الدوافع الديمقراطية والتقدمية.

هناك أيضًا حقيقة قاسية مفادها أنه حتى مع تدخل روسيا في هذه القضية، قد يكون لدى جيش ميانمار خيارات أكثر للحصول على الدعم. ففي ظل هذه الظروف، سيكون من المغري لمن يسمون بالواقعيين في الهند الانخراط بعمق مع الجيش.

وهناك من يبالغون بشأن تأثير قضية لاجئي ميانمار اقتصاديا بالنسبة للهند. لا أحد يشك بأن الاتصال والتجارة مع ميانمار يوفران زخمًا لمصالح الهند باتجاه الشرق. لكن بصراحة، سيكون من المبالغة إذا نقول بأن العواقب الناتجة عن التعامل مع ميانمار ستكون كبيرة جدًا بحيث لا تستطيع الهند حلها.

ويمكن أن تكون الهند محاورا رئيسيا في سياقين. أولا أن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل استجابة عالمية للأزمة. وثانيا أن يكون لها دور في المساعدة في التوصل إلى تسوية القضية داخل ميانمار. ولكن للقيام بذلك، من المهم أن تتمتع الهند بمصداقية واسعة النطاق مع المجموعات والحركات المختلفة داخل ميانمار، مما سيعطي الهند ميزة محتملة. ولكن من المهم أيضًا ألا تكون مواقفنا مجرد نتاج للسخرية الاستراتيجية، وألا نستعد لمقايضة أي اعتبار أكبر مقابل مكاسب صغيرة قصيرة الأجل.

إن نموذج سلوك الهند مهم جدا لكلا هذين السياقين، فعلينا أن نبتعد عن ضوضاء الحزمة الجيوسياسية المزدحمة. ولن تحقق الهند مُثلها العليا ولا أهدافها الاستراتيجية من خلال تهميش الدوافع الإنسانية الأساسية في استجابتها لأزمة ميانمار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى