الافتتاحية

ماذا سيخسر العالم إذا تجاهل احتجاجات المزارعين في الهند؟

لا يزال العالم يغض طرفه عن سجل الهند السيئ في مجال حقوق الإنسان باعتبارها حليفة استراتيجية، حيث ترى الولايات المتحدة، مثل الكثير من المجتمع العالمي، الهند قوة مقابلة للصين، ومن الطبيعي أن تميل هذه القوى العالمية إلى تفضيل الهند بسبب مكانتها كأكبر ديمقراطية في العالم. في الوقت نفسه، بسبب العلاقة العدائية بين الهند وباكستان المجاورة، فضلاً عن سياساتها المعادية للمسلمين بشكل متزايد، تضعها كحصن منيع ضد “الإرهاب الإسلامي”.

هذان الشبحان – الإمبريالية الصينية والإرهاب الإسلامي – هما العنصران اللذان يحفزان القوات العالمية لمنح الهند حرية المرور رغم انتهاكاتها المستمرة في مجال حقوق الانسان.

على مدى السنوات القليلة الماضية، مع صعود الاستبداد اليميني تراجعت الهند في مقاييس الديمقراطية في جميع المجالات، بما في ذلك مؤشر حرية الصحافة، حيث تحتل الآن المرتبة 142 من 180 دولة، أربع نقاط خلف جنوب السودان وثلاث نقاط خلف ميانمار. كما يصنف مؤشر حرية الإنسان الهند في المرتبة 111 من أصل 162 دولة، بفارق أربع دول فقط عن روسيا. وأوقفت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان في سبتمبر الماضي عملياتها في الهند في أعقاب الهجمات المستمرة لمقرها من الحكومة الهندية.

في الآونة الأخيرة، عرضت الحكومة الهندية قوتها الكاملة والتكتيكات الاستبدادية لمواجهة أكبر احتجاج في تاريخها. منذ سبتمبر الماضي، تجمع عشرات الآلاف من الهنود في نيودلهي للاحتجاج على ثلاثة قوانين زراعية جديدة تهدف إلى تحرير الصناعة الزراعية في الهند وفتحها أمام قوى السوق الحرة. في حين أن الحاجة إلى الإصلاحات ملحة، يشعر المزارعون بالقلق من أن التشريع الجديد يمنح امتيازات للشركات ويضر بالمزارع العادي.

أخيرًا، في 2 فبراير، بعد شهور من الاحتجاجات، بدأت أعين العالم تركز على الإجراءات غير الديمقراطية للحكومة الهندية، بما في ذلك الرقابة على الصحافة، واحتجاز الصحفيين، وإغلاق الإنترنت، والقمع العنيف ضد المتظاهرين السلميين.

للأسف الشديد، استغل القوميون الهندوس المناسبة للدعوة إلى أعمال عنف وإبادة جماعية ضد المتظاهرين. أزال موقع تويتر تغريدة من الممثلة الهندية كانجانا رانوت دعت إلى التطهير العرقي للمتظاهرين. كما قام تويتر بتعليق 500 حساب دعا إلى تكرار مذابح عام 1984، والتي كانت لحظة مظلمة في تاريخ الهند.

تذكرنا هذه الدعوات عن سلسلة من الأحداث المماثلة في التاريخ الهندي. في السبعينيات والثمانينيات، قاد السيخ في البنجاب تحركات مماثلة دعت إلى دعم حكومي أفضل للزراعة. وأثارت احتجاجاتهم المستمرة غضب الحكومة الهندية التي وصفت هذه الجهود بأنها مناهضة للقومية. بعد حملة تضليل، شنت الحكومة سلسلة من الهجمات التي أدت إلى أعمال جماعية وحشية وانتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان، بما فيها الهجوم العسكري على دربار صاحب (المعبد الذهبي) في أمريتسار في يونيو 1984، والمذابح التي رعتها الدولة في نوفمبر من عام 198، عقب اغتيال رئيسة الوزراء إنديرا غاندي على يد اثنين من حراسها الشخصيين من قوم السيخ، بالإضافة إلى حملة قتل خارج نطاق القضاء أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين طوال العقد الذي تلا اغتيال إنديرا. لم تعترف حكومة الهند قط أو تعتذر عما ارتكبته من موجات العنف هذه، والتي لا تزال تبقى كذكرى عميقة للعديد من الهنود اليوم، وخاصة قوم السيخ في ولاية البنجاب.

في عام 2002، كان رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أحد رموز القومية الهندوسية اليمينية قائدا للمذابح المعادية للمسلمين في ولاية غوجارات بصفته رئيس وزراء الولاية، حيث منعت الدول الأجنبية “جزار غوجارات” من دخول بلادهم، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بسبب دوره الواضح في أعمال عنف الإبادة الجماعية. كان الحظر الأمريكي ساري المفعول لأكثر من عقد ولم يتم إلغاؤه إلا عندما عرفت أن مودي سيكون رئيس وزراء الهند.

منذ أن أصبح رئيس وزراء الهند في عام 2014، واجهت حكومة مودي وابلاً من الانتقادات من جماعات حقوق الإنسان والدول الأجنبية والمجتمع المدني الهندي والأحزاب السياسية المعارضة بسبب معاملتها لمجتمعات الأقليات.

في الآونة الأخيرة، ألغت الهند الحكم الذاتي الدستوري لكشمير في عام 2019 – استيلاء على الأراضي المتنازع عليها في انتهاك لاتفاقية الأمم المتحدة – وأشرفت على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المناطق ذات الأغلبية المسلمة في كشمير، بما في ذلك الاحتجاز غير القانوني وسوء المعاملة والتعذيب وإغلاق الإنترنت والقيود المفروضة على حرية التعبير والحركة، فضلاً عن منع الوصول إلى المعلومات والتعليم والرعاية الصحية.

تصف الحكومة جميع المعارضين بأنهم معادون للقومية ثم تعذبهم بالاستناد إلى القوانين المتعلقة. اتبعت الحكومة نفس النهج في أواخر عام 2019 وأوائل عام 2020 عندما خرج عشرات الآلاف من الهنود إلى الشوارع للاحتجاج على قانون تعديل المواطنة الذي يميز المسلمين الذين يسعون للحصول على الجنسية الهندية.

وترد حكومة مودي اليمينية على احتجاجات المزارعين بالكذب وتشويه سمعة مواطنيها، حيث أطلق كبار القادة على المتظاهرين لقب “معادون للمواطنين” و “الحمقى”. وعندما دعت الأيقونتان العالميتان ريهانا وجريتا ثونبرج إلى التدقيق الدولي على التكتيكات الاستبدادية الهندية المستخدمة ضد المتظاهرين، وصفت وزارة الشؤون الخارجية تغريداتهم بأنها “ليست دقيقة ولا مسؤولة”. وأخيرا رفعت شرطة دلهي تقرير المعلومات الأول وبدأت تحقيقًا في مجموعة الأدوات المرتبطة بتغريدة ثونبرج.

قد سجن مؤخرًا تسعة صحفيين أفادوا بأن ضباط الشرطة أطلقوا النار على متظاهر وقتلوه. ودفعت أفعالهم التي انتهكت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان لجنة حماية الصحفيين إلى إصدار بيان.

هذه المرة، لا يصدق الجماهير الهندية والمراقبون العالميون أكاذيب مودي ويرون أن هذه الحركة لا تتعلق بالقومية العرقية، بل إنها حركة متجذرة في تجارب البنجابية السيخية والآن يدعمها الناس في جميع أنحاء الهند الذين سئموا من تحمل بلادهم ومجتمعاتهم التي دمرها اليأس الاقتصادي والانقسام الاجتماعي. إنها حركة فوق حدود الهوية والطبقة والمنطقة والانتماء السياسي والدين، يقودها مجتمع له تاريخ من الصدمة من الحكومة المركزية وتعرف جيدا ما قد يترقبهم إذا لم يتم محاسبة الدولة عند انحرافها عن المسؤولية.

ينضم إلى حركة الاحتجاج الجديد في الهند كل من المزارعين والمسيحيين والداليت والمسلمين والسيخ والكشميريين وغيرهم الذين حرمهم المتطرفون اليمينيون من حق التصويت واضطهدوهم بدون أي تبرير – فلا يمكن التخمين بشأن المكان الذي قد تؤدي إليه الطرق الحالية لأن المحتجين يستمدون من تجربتهم الحياتية ويعلمون أن هذه معركة من أجل البقاء.

هذه ليست معركة الهند فحسب، بل كل العالم يعيش في زمن يتصارع مع تزايد الاستبداد والدعاية وانتهاكات حقوق الإنسان والممارسات المناهضة للديمقراطية، فنحتاج إلى سحق القومية اليمينية عن سطح الأرض تماما من أجل مصلحة الجميع. إذا ترك العالم أمر الهند أكبر ديمقراطية في العالم على عاتقها فقط، سيتعرض الجميع للخطر. كيف لا تحتج دول أخرى تؤمن بالديموقراطية والحرية ضد مواقف الهند العدوانية إزاء شعبها المكون من أكثر من 1.3 مليار شخص، وهو ما يساوي سدس سكان العالم بالكامل؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى