أعمال واقتصادرأيسياسة

حكومة مودي تفشل في فهم مزاج المزارعين الغاضبين في الهند

نسيم حمزة أحمد

كرر المزارعون المحتجون أنهم لا يتراجعون عن مواقع الاحتجاج التي تحيط بالعاصمة دلهي إلا بعد إلغاء ثلاثة قوانين زراعية صديقة للسوق تم تصميمها بحجة تيسير القواعد المتعلقة ببيع وتسعير وتخزين المنتجات الزراعية في الهند.

مزارعون يشاركون في مسيرة الجرارات عند حدود سينغو بالقرب من نيودلهي للاحتجاج على فواتير المزارع الجديدة

بعد أكثر من 45 يومًا من الاحتجاجات وثماني جولات من المحادثات مع الحكومة، رفض المزارعون الاستسلام.

وردا على مجموعة من الالتماسات، أصدرت المحكمة العليا قرارا بتعليق القوانين، ما يؤدي إلى عدم اليقين وما يترتب عليه من المصائب والمشقات التي تواجه المزارعون أثناء مكوثهم في العاصمة.

فلماذا فشل رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحكومته في توقع رد الفعل على القوانين الجديدة وأساءوا فهم مزاج الفلاحين في ولايتي البنجاب وهاريانا المتضررتين؟

ربما خُدعت الحكومة بدعم حليفها أكالي دال في البنجاب للقوانين في البداية (عدل أكالي دال في وقت لاحق موقفه واستقال من الحكومة) أو اعتقدت أن القوانين لن تؤدي إلى تآكل كبير في الدعم الشعبي.

كانت الاحتجاجات تشتد في البنجاب حتى قبل المصادقة على القوانين في البرلمان وسط انتشار سريع للوباء في سبتمبر الماضي وجلس المزارعون الغاضبون على خطوط السكك الحديدية بعزيمة قوية. وفي أواخر سبتمبر، سحب أكالي دال دعمه للحكومة، ما جعل مودي في مأزق غير مسبوق بسبب ما أصبح الآن أكبر احتجاج في العالم.

أكثر من نصف مليون متظاهر الشتاء وخيموا خارج دلهي

يعتقد الكثيرون أن أحد الأسباب لفشل مودي هو أنه لم يواجه حركة جماهيرية كبيرة ضد نظامه إلا نادرا مثل احتجاج مجتمع باتيل المؤثر في ولاية غوجارات عام 2015 للمطالبة بحجز الوظائف الحكومية لأعضاء مجتمعهم والذي استمر لمدة أربع سنوات قبل صدور قرار، ومظاهرة احتجاجية قادتها النساء المسلمات في دلهي ضد قانون تعديل المواطنة المثير للجدل التي توقفت وسط إجراءات للحد من انتشار فيروس كورونا في البلاد. ولكن لم تكن تلك الاحتجاجات كبيرًة ومكثفة مثل احتجاجات الفلاحين المستمرة التي تحدت الحكومة بشكل لم يسبق له مثيل خلال فترة حكمها.

يقول البروفيسور بارميندر سينغ، ناشط في مجال الحقوق المدنية: “لا أعتقد أن مودي أخطأ في فهم الموقف لأنه لم يكن على علم بالاحتجاجات في البنجاب. أعتقد أن ثقته المفرطة نشأت من قلة خبرته في التعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية”.

ثانيًا، تختلف الاحتجاجات الحالية اختلافًا كبيرًا عن الاضطرابات المماثلة في تاريخ الهند. وكان في الهند الاستعمارية، قد تحولت بعض ثورات الفلاحين ضد الحكام المستغلين إلى العنف. منذ الاستقلال في عام 1947، قام المزارعون بمظاهرات ضد انخفاض أسعار المحاصيل والمديونية ومصائب المزرعة. ولكن لم يشهد التاريخ هذه المستويات المذهلة من التماسك والوحدة والعزيمة في الاحتجاجات الحالية التي تضم حوالي ٤٠ نقابة للمزارعين، وأكثر من نصف مليون متظاهر، وقطاعات كبيرة من المجتمع المدني، في أي احتجاج سابق في تاريخ الهند.

نشأت هذه الاحتجاجات في البنجاب، معقل الزراعة المزدهر نسبيًا في الهند وجارتها هاريانا. قد استفادت الولايتان من سياسات الزراعة الهندية كثيرا في الماضي، وأما الآن فيشعر هؤلاء المزارعون بالإحباط بسبب ركود وهبوط دخول المزارع ويخشون أن يؤدي قدوم الشركات الخاصة إلى زعزعة الاستقرار في مستقبلهم.

يأتي أكثر من نصف المزارعين في الهند من خمس ولايات

تدور الاحتجاجات الحالية حول مجموعة من المخاوف بشأن الزراعة في الهند – مثل تقلص قطع الأراضي ونقص الإنتاج والتقلب في أسعار المحاصيل ومركزية تشريع القوانين في بلد تتولى فيه ولاياتها بمسائل الزراعة.

وقال براتاب بهانو ميهتا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أشوكا، إنه “ليس الاحتجاج ساحة ضد مواقف الحكومة فحسب، بل الأمر يتعلق بانعدام الثقة العامة في حكومة تحاول تنفيذ الفيدرالية المركزية التي لم تتعود آلاف القرى الزراعية في الهند”.

المزاج العام في مواقع الاحتجاج هو مقاومة لا تضعف ضد الحكومة ويصفها الفلاحون المحتجون بأنها ثورة من أجل حقوقهم مع شعورهم القوية بلا خوف.

لعقود من الزمان، كانت الصورة النمطية السائدة للمزارع الهندي هي صورة رجل شبه متعلم ومكافح يحرث الأرض بلا كلل. الحقيقة هي أن هناك 150 مليون مزارع في الهند من أنواع مختلفة – كبير وصغير من أصحاب الأراضي الواسعة والفلاحين الفقراء العاديين بدون أراض. وسمعنا بعض الأحاديث غير اللطيفة على وسائل التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان هؤلاء الأشخاص المتظاهرون يعملون حقًا في المزارع، حيث كانوا يتناولون البيتزا أثناء الاحتجاجات. هكذا كشفت، مرة أخرى، قلة معرفة الهنود في المناطق الحضرية بإخوتهم في الريف.

تمرين شباب من مجتمع زراعي في صالة ألعاب رياضية مؤقتة بالقرب من موقع الاحتجاج في حدود هاريانا

فشلت حكومة مودي والعديد من الناس في فهمهم أن العديد من المزارعين المحتجين لديهم روابط عميقة مع مقومات العمران، حيث يوجد لديهم أطفال في الجيش والشرطة، ويتحدثون الإنجليزية، ويستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سافروا ولديهم أقارب في الخارج.

مواقع الاحتجاج منظمة بشكل جيد بالعيادات وسيارات الإسعاف والمطابخ والمرافق والمكتبات وحتى الصحف الخاصة بها.

يقول المؤرخ ماهيش رانجاراجان: “تتحدث حركة المزارعين هذه بلغة الطبقة الوسطى في الهند. يقولون إنهم وطنيون، ويكافحون من أجل الحقوق التي يعتزون بها”.
هذا أيضًا ليس احتجاجًا تقليديًا ضد صعوبات المزارع أو الجفاف، ليكون سهل الإدارة كما كان في الماضي، إنما هو نتيجة لنجاح البنجاب في مجال الزراعة كما يرى البعض – حيث كانت الولاية أكبر مستفيد من أسعار القمح والأرز المضمونة وهيكلها التسويقي المدعوم من قبل الدولة.

يقول البروفيسور ميهتا: “التحدي هو أن البنجاب لم تكن قادرة على الانتقال من مجتمع زراعي ميسور إلى حد كبير إلى مجتمع توجد فيه زراعة وتصنيع مستدامان حيث أدت وفرة المحصولات الزراعية إلى فائض المخزونات وركود الدخل واستنزاف المياه الجوفية.

أكثر من 85٪ من المزارعين في الهند صغار ومهمشون، ويعملون في حوالي 47٪ من إجمالي الأراضي الزراعية في البلاد.

يتفق كل من الحكومة والمزارعين على أن الزراعة في الهند بحاجة إلى الإصلاح، ولكنهم لا يستطيعون الاتفاق على التفاصيل مع وجود الحلول. لأن المزارعين أصبحوا عديمي الثقة بالحكومة التي دائما تهتم الأبقار وأمور تافهة تجلب لها فوائد سياسية فقط بدلا من اهتمامها باحتياجات المواطنين الأساسية. هذه هي مشكلة الهند الحقيقية حاليا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى