أخبار

يموت العالِم.. والعالَم يفوته

بقلم : الدكتور معراج أحمد معراج الندوي*

في زمن كورونا يكثر فيه الرحيل، يخف الحمل الثقيل، فالموت سفر كامل، سفر آخر من هذه الدنيا الفانية. تفيدنا جائحة الكورونا درسا بأن الشجر أطول عمرا من البشر على وجه الأرض المعمورة. يرحل الراحلون، فيُصيبنا رحيلهم بالحزن والألم بالدهشة الحيرة، يذكرنا رحيلهم أنه ليس البقاء إلا لله. 

وكلّ إنسان وإن عاش سنين طويلة، لا بد له أن يموت، فالرحيل عن الدنيا يقص علينا قصة الموت التي نتحاشى أن نسمعها ويقول لنا الحكاية التي لا نكتبها، وهذه هي الحقيقة التي لا نذكرها كثيرا ولكننا في قرارة أنفسنا لا نُنكرها، الموت المفأجاة الوحيدة التي تظل مفاجأة مؤلمة لا تتغير.

رحل صباح اليوم الأستاذ الفاروقي من هذه الدنيا الفانية وترك خلفه من آثار وذكريات، ومضات ولمسات، غير أن كلماته وذكرياته وحكاياته ورائحته لا تموت فينا، وتبقي رائحته العطرة في قلوبنا.

 كان الأستاذ الفاروقي مثالا للسلف الصالح  بعلمه وزهده وورعه وتقواه، كان المعلم الشفيق كما كان القلب الكبير الذي يخفق بالحب حتى لمن أساء إليه، كان الإنسان المتواضع، مثله لا يموت لأنه باق في أعماق قلوبنا.

لقد كرس حياته في ترويج اللغة العربية وآدابها تدريسا وتأليفا وبذل كل ما وسعه في نشر الثقافة العربية والإسلامية في الهند، كان مريبا الأجيال في العلوم والفنون، كان رمزا من مدرسة سلفنا الصالح محافظا تلك الروح الخالصة من غزارة العلم والنبحر ودقة النظر في القضايا العلمية واللغوية.

ومن سماته البارزة أنه كان يحفظ عن ظهر قلبه الكثير من الشعر العربي والأردي والفارسي، له يد باع في فهم الشعر العربي القديم والنقد الأدبي، في خلال محاضراته كان يقتبس الكثير من  قصائد المتنبي في الحكمة والفلسفة ثم يقارنه بالأبيات الأردية قرضها غالب في نفس المعنى والمفهوم. كان يحاول الأستاذ الفاروقي أن يجدد فن العروض ويعرف عليه طلابه في المشهد الأدبي. 

واليوم اقعلت جائحة الكورونا الشجرة الخصيبة المثمرة التي يرجع إليها الطلاب للحلول مشكلاتهم العلمية واللغوية، وهو يسمع بكل هدوء ثم يجيب في ضوء التيار العلمي الجديد. فقدنا اليوم أستاذنا جسديا ولكن ذكرياته ولمساته وجهوده لغرس القيم النبيلة تبقي فينا وتعطر نفوسنا. 

الموت هو الرحلة الوحيدة والأخيرة التي لا تحتاج إلى دليل أو خارطة كي نصل إلى محطتها. الموت هو السبيل، لا بد أن نمر بها طوعا وكرها. يذكرنا الراحل الفقيد الأستاذ الفاروقي بأن نتأمل عن الحياة من قلب الموت حتى نحيا راضين واثقين ونرحل بطمانية القلب مبتهجين بلقاء الله.

* الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها جامعة عالية ،كولكاتا – الهند

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى