رأيمنوعات

درس يعلمنا الراحلون

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي*

الراحلون يديرون ظهورهم للمرة الأخيرة تاركين خلفهم آثار وذكريات، ومضات ولمسات، غير أن كلماتهم وذكرياتهم وحكاياتهم ورائحتهم لا تموت فينا، رائحتهم التي تحمل في طياتها نبض قلوبنا. ننادي ذكراهم العطرة ونناجي أفئدتهم الحانية، ولكن كم مِن أموات بقوا أحياء في ذاكرتنا.

كل إنسان حضر ويحضر وسوف يحضر إلى هذه الدنيا الفانية سيسكنه طوال حياته هاجس الموت، لذا قيل “موتو قبل أن تموتوا” بمعنى تفكروا في الموت كي تعرفوا قيمة الحياة، ولكي تعيشوا برضاء وبعطاء أفضل، وتكونوا قولا وفعلا أبناء الحياة. التفكير في الموت يورث التقوى والعمل الصالح.

ولي أختر الندوي

الموت والحياة وجهان لعملة واحدة يكملان بعضها البعض، لا حياة بلا موت، ولا موت بدون الحياة، الموت حقيقة ناصعة، لا غموض فيها ولا التباس، الموت شئنا أم أبينا يُعلمنا معنى الحياة. الموت ليس نهاية الأمر ولكنه مرحلة جديدة للإنسان وبداية للحياة الكاملة في الآخرة. الموت ليس ختام القصة، بل هو فصل من فصولها، نهاية درب وبداية آخر.

ذكرني الفقيد الأستاذ ولي أختر الندوي الذي رحل حديثا، وكان مثال الصبر والقوة والرضي بما تركت له الحياة من أيام معدودات. كان المعلم وكان الصديق، كان القلب الكبير الذي يخفق بالحب حتى لمن أساء إليه، كان إنسانا متواضعا، مثله لا يموت لأنه باق في أعماق قلوبنا، رحمك الله يا أستاذ ولي أختر الندوي، آن لك أن تستريح في جنات الخلد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

الموت اعلان نهاية فصل الحياة الأولى. فطوبى لمن رحل وقد أتمّ مشواره على أكمل وجه. ليس كل الموتى موتى وكم من أحياءٍ ماتوا قبل الأوان كما يقول الشاعر سميح القاسم، “يا أيها الموتى بلا موت.. تعبتُ من الحياة بلا حياة.”  

الموت أمر لا مفر منه مهما طال بنا الزمان، ولكن المجتمعات الحديثة غالباً ما تتهرب من ذكر الموت. إن الخوف من الموت شعور ينتاب الكثيرين ويجعلهم يعيشون حالة القلق، وإن قلبهم ليخفق دائماً ويضطرب عندما يسمعون عن الموت، والشعور بالخوف يختلف من إنسان إلى آخر، يرهب الموت الإنسان رهبة عظيمة لأنه يعتقد أنه فناء، بخلاف المؤمن فإنه أقل خوفاً من الموت لأنه مؤمن بأن الموت حياة جديدة.

الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة. يعلمنا الراحلون معنى الحب ومعنى الإنسانية ومعنى التضحية. يعلمنا الراحلون أن نحيا راضيين واثقين ونرحل من هذه الدنيا الفانية مطمئنين مبتهجين بلقاء الله. يعلمنا الراحلون أن نبتسم ونعمل ونُحب الحياة حتى إن رحلنا ذات مساء، بقيت آمالنا الفتية تُرافق بصماتنا من خلفنا وتدعو لنا بالرحمة. يعلمنا الراحلون ألا نتمسك بأيّ شيء بها لأننا لا بد في النهاية أن نفارقها. يمثِل الموت قيمةً أساسية في الحياة، فالموت هو عبرة لكل من يظلم ويسلب حقوق الآخرين.

* الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها- جامعة عالية ،كولكاتا – الهند 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى