رأي

الهند تمتحن للاختيار بين غاندي ومودي

حسن منيمنة

ربما أن المبالغة تحيط ببعض أوجه حياة الزعيم الهندي الراحل مهاتما غاندي، بما في ذلك استبدال اسمه، مهندس كرمشند، بآخر، مهاتما، ومعناه الروح الكبيرة. على أن الرجل قد وضع زعامته على المحك في أكثر من مناسبة، وأثبت أنه جدير بها.

قبل قدوم البريطانيين إلى الهند، كان يحكمها في أكثرها مسلمون. “مسلمون” وليس “المسلمون”، إذ أن غالبية مسلمي الهند كانوا من المحكومين البؤساء من أهل البلاد، أصولهم منها وطقوسهم وشعائرهم متداخلة ومتماهية مع ما كان عليه سائر أهلها.

البريطانيون أرادوا الوضوح في إحصائهم لمحكوميهم، وهم أول من فرز أهل الهند، بعد أن كانوا بجمعهم “هندو” في نظر الحكام السابقين في معسكراتهم، الـ “اردو”. أعاد البريطانيون ترتيب أهل الهند، نظريا على الأقل، إلى “مسلمين” يرتاب منهم إذ أن جل المقاومة للاستعمار البريطاني من أوساطهم، و”هندوس” يجتمع في تعدادهم كافة من لم يكونوا من المسلمين، ولهم الحظوة في المناصب على قدر تعاونهم.الاعتماد هو على الهند، بصفوة هندوسيها ومسلميها، ومؤمنيها وملحديها

الهند كانت ولا تزال منقسمة على نفسها أولا على أساس طبقات المولد، والتي تلزم كل فرد بدور ومقام انطلاقا من تراتبية صارمة تحدد له المهنة المتاحة بل تفترض له الطهارة أو النجاسة بما لا يقبل التبديل. تثير طبقات المولد هذه العصبيات، فتكثر الحوادث العائدة إلى مخالفة مقتضياتها ولا سيما في شؤون الزواج والدراسة والعمل. وطبقات المولد هذه تشمل كذلك المسلمين بدرجة أقل ومع أقدار من التورية.

الهوية الدينية “الهندوسية”، وهي صيغة مستجدة لم تتضح بالكامل إلا في القرن التاسع عشر رغم زعم الأقدمية، لا تتخطى طبقات المولد، بل هي في واقع الأمر ترسّخها، ولكنها، في أشكالها المتشددة، وفي سبيل تعزيز اللحمة الهندوسية، قد استعاضت عن طبقات “المنبوذين” الدنيا بالمسلمين.

التنافر والتعادي بين متشددي الهندوس ومتشددي المسلمين في الهند قبل استقلالها دفع مسلمون، وليس “المسلمون”، إلى السعي إلى الانفصال، درءا لخطر الاضطهاد في الهند المستقلة العتيدة. تلك كانت حركة “باكستان”، أرض الأطهار، بعد أن راج في صفوف متشددي الهندوس اعتبار المسلمين من الأنجاس.

غاندي، ومعه جلّ أعيان الهند ومثقفيها وأخيار أهلها، كانوا على رأي مغاير. أرادوا للهند أن تبقى حاضنة لجميع أبنائها، شرط أن تكون الوحدة برضا هؤلاء، لا بالقهر. أمام إصرار الانفصاليين، قبِل غاندي وصحبه بانشطار الهند، فكانت مأساة الرحيل والترحيل لجموع لا تحصى من المسلمين وسائر من خشي من أهل الهند أن يكون من الأقلية. هكذا فقدت الهند ثلثي مسلميها، وقامت باكستان بجناحيها الغربي والشرقي، قبل أن تتفتت بدورها، بعد جيل من استكبار جناح على جناح، فتخرج عنها بنغلادش.

يوم استقلت الهند، خرج عتاة الهندوس إلى شوارع نيودلهي يحرقون منازل المسلمين ومحالهم، ويقتلون منهم من طالته أيديهم. هنا تجلى معدن مهاتما غاندي وقوة زعامته. الرجل، دون منصب أو سلطة أو قدرة مادية، قال للثائرين إنه سوف يصوم حتى الموت ما لم يمتنعوا عن الأذى. صام، فامتنعوا. بصيامه أنقذ وطنه وأرسى الهند جمهورية حق وعدل ومساواة. طابت ذكراك أيها الكبير.

قبل أيام خرج عتاة الهندوس إلى شوارع نيودلهي مجددا، يحرقون منازل المسلمين ومحالهم، ويقتلون منهم من طالته أيديهم.

خروجهم هذا كان لأن أحفاد المهاتما، من مختلف الأديان ودون أديان، اعترضوا، نصرة لميراث الحق والعدل والمساواة، وهم المؤتمنون عليه، على محاولة مقنّعة مفضوحة من زعيم الهند الحالي، نارندرا مودي، للثأر من تاريخ يتوهمه، والعودة بالهند إلى تعظيم لطبقات المولد، وإن بأسلوب جديد، وضحايا جدد.

أقرت السلطة التشريعية الاتحادية في هند مودي قانونا جديدا للجنسية يمنح المقيمين من غير المواطنين في الهند حق اللجوء التلقائي إن كانوا من غير المسلمين. هي إهانة طبعا للمسلمين، إذ يجري استثناء ملّتهم من الحماية، ولكنها قبل ذلك جناية على منطق المساواة الذي قامت عليه الهند. على أن المسألة ليست بالشكليات والرموز. عدوان هذا القانون لا يقتصر على البعد المعنوي.

هم يدركون أن الاعتراض شاق. رفعوا الصوت يوم اعتدى مودي على كشمير، ومنع عنها حكمها الذاتي رغم الضمانة الدستورية
هم يدركون أن الاعتراض شاق. رفعوا الصوت يوم اعتدى مودي على كشمير، ومنع عنها حكمها الذاتي رغم الضمانة الدستورية

فهند مودي تعمل كذلك على إعداد سجل عام للمواطنين، يطلب لاستيفاء شروطه من كل مواطن هندي أن يتقدم بالأوراق الثبوتية التي تؤكد أهليته للهوية الهندية.

ما يقارب السواد الأعظم من الهند هذه هم من المعدومين ومن الأميين ومن الذين لا يملكون من الوثائق ما يكفي لأي إثبات، من أهل القرى والأصقاع، لديهم فيها القليل، لا يغادرونها إلا للعمل، ويعودون إليها بالقليل. شأن المسلمين في هذا الصدد شأن غيرهم. يوم تأتيهم السلطات مطالبة إياهم بأن يثبتوا حقهم بالمواطنة، لا المسلم ولا غيره قد يجد في حوزته ما يلبي لهذه السلطات مطلبها.

لا تخشَ يا غير المسلم، حمايتك يضمنها لك قانون الجنسية. لا أوراق ثبوتية بحوزتك؟ أنت إذن لاجئ مصانة حقوقه، والسبيل متاح أمامك للاستحصال على الجنسية. أما أنت يا مسلم، فقد تكون وليد تراب هذه الأرض، أبا عن جد، إلا أنك بفعل إسلامك، أمسيت مقيما غير شرعي. وإذا تعذّرت الوسيلة لطردك إلى باكستان أو بنغلادش، فلك أن تبقى هنا، غبّ رضانا، أسير منبوذية جديدة.

خرج عتاة الهندوس إلى شوارع نيودلهي قبل أيام، وزعيمهم يحتفي بزعيم آخر، دونالد ترامب، رئيس دولة قامت، وإن بتعثر، على مرجعية الحرية والعدالة والمساواة.

حيث صام غاندي، غضّ مودي الطرف، وامتنعت شرطته عن اعتراض المعتدين، بل سمعت أصوات بعض رجال هذه الشرطة يشاركون بالشغب، وإن انشغل الإعلام بأصوات الصخب والغناء المرحّب بالضيف العظيم.

لا يشتهر هذا الضيف لا بذود دؤوب عن الحقوق ولا بفصاحة في الخطاب. بل هو يهوى الاستعراض والتبجيل. ولا شك أن مودي قد قدّم له من ذا وذاك ما يبهر الأنظار. على أنه في إشادة الضيف بالمضيف، بزعم أن هذا الأخير يعمل على تحقيق “الحرية الدينية”، مجانية يصعب إيجاد ما يبررها، عدا الجهل والكيد.

شؤون الهند بعيدة عن منظار المواطن العادي في الولايات المتحدة. وسلوك رئيسها خلال زيارته للهند، قولا وفعلا وامتناعا، لم يرتقِ إلى الأهمية التي تتيح له منافسة الأخبار المتراكمة حول الانتخابات والأوبئة. فإذا كان لا تعويل على هذا الرئيس لمواجهة التعدي الصارخ على القيم العالمية في هند مودي، فلا اعتماد كذلك على أن يصحح هذا العوز المجتمع في الولايات المتحدة صونا لقناعاته وصورته الذاتية.حيث صام غاندي، غضّ مودي الطرف، وامتنعت شرطته عن اعتراض المعتدين

وبطبيعة الحال، لا يمكن الركون بتاتا إلى أن يصدر عن الملوك والأمراء والرؤساء في الدول المتسلحة بإسلامها إزاء مجتمعاتها أي موقف جدي للاعتراض على مودي، فيما سائر الغرب، إذ يواجه تخلي القوة العظمى عنه، كفيل بقدر ضئيل من الأقوال دون الأفعال.

الاعتماد هو على الهند، بصفوة هندوسيها ومسلميها، ومؤمنيها وملحديها، من الذين لم تجرفهم شعبوية مودي، ومن الذين يصرّون على قول الحق أمام سلطان جائر.

هم يدركون أن الاعتراض شاق. رفعوا الصوت يوم اعتدى مودي على كشمير، ومنع عنها حكمها الذاتي رغم الضمانة الدستورية، فيما يبدو اليوم أنه كان خطوة أولى وحسب على طريق تطبيع الانتقال بالهند من الرؤية التي أرادها لها غاندي، والتصور الذي يرسمه لها مودي. من مبدأ المساواة إلى مبدأ الاستعلاء، ومن منطق الحق إلى منطق الغلبة.

أن تنجح الصين، إذ تعمل على إفناء الأويغور كهوية، وهم القلة القليلة، خطر كبير للإنسانية جمعاء. على أن الصين ابتداءً دولة سلطوية شمولية. أما أن تعمد الهند على تقويض المسلمين من أهلها، وهم ثمن السكان أو يزيد، فالخطر أضعاف مضاعفة. الهند، ومعها العالم، أمام الامتحان في هذه المواجهة الحادة بين أوهام مودي وأحقاده المحرّكة للشعبوية ولعصابات الشغب، وبين دعاة الحق ومن خلفهم وهج الروح الكبيرة، بعد أكثر من سبعة عقود على رحيله.

المصدر : موقع الحرة

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لموقع الهندية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى