علوم وتك

انتشار تكنولوجيا التعرف على الوجوه يثير مخاوف النشطاء في الهند

نيودلهي – (د ب أ) 

يمتلئ مقهى “تشايوس” الكائن بمنطقة ” كونات بليس” التجارية الشهيرة بوسط العاصمة الهندية نيودلهي بالزبائن في نهاية يوم حافل بالعمل، ويعرض المقهى لزبائنه تطبيقا إليكترونيا يربطهم به ويتيح لهم التواصل معه عن طريق تسجيل أرقام هواتفهم في التطبيق.

غير أن هذا الطريقة تغيرت في الوقت الحالي مع التقدم التكنولوجي، ويمكن قراءة عبارة “ضع وجهك، لماذا تكتب أرقاما هنا عندما نستطيع أن نتعرف على هويتك من صورة وجهك ؟”، وهي بمثابة رسالة إليكترونية تومض عند منصة دفع فاتورة الحساب، ويمكن أن توصف هذه الرسالة “بالأورويلية” نسبة للكاتب البريطاني جورج أورويل المدافع عن الحرية الشخصية والخصوصية والمعارض للنظم الشمولية.

وبدأت سلسلة مقاهي “تشايوس” مؤخرا باستخدام تكنولوجيا التعرف على الوجوه، في محاولة لإسراع عملية تواصل الزبائن مع المقهى.

وتقول النادلة بالمقهى ثريا جوبتا “بعض الزبائن يعتقدون أن تقنية التعرف على الوجوه هي أداة رائعة توحي بالحداثة، ومقهى تشايوس يلاحق الاتجاهات المجتمعية الجديدة، وإدارته تسعى لاجتذاب شباب الجيل الجديد الذي يريد إنجاز كل شيء بسرعة”.

وتضيف جوبتا “إنني لا أخشى من المشاركة في البرنامج الإليكتروني بوضع صورة وجهي”.

ومع ذلك ذكرت وسائل الإعلام المحلية عندما دشنت سلسلة مقاهي “تشايوس” المشروع للمرة الأولى في تشرين ثان/نوفمبر الماضي، أن السلسلة تستولى على صور الزبائن بدون موافقتهم، الأمر الذي ينتهك قواعد الخصوصية. وأذعن المقهي للضغوط وقررت أن تدخل في التطبيق اختيارا للخروج منه وفقا للرغبة.

ولا يعد مقهى “تشايوس” المنشأة الهندية الوحيدة التي تثير المخاوف من خلال استخدامها لتقنية التعرف على الوجوه.

وعلى مستوى أوسع بكثير تقوم الهند بإعداد نظام للتعرف على الوجوه في جميع أنحاء البلاد، بهدف المساعدة في إلقاء القبض على المجرمين والتعرف على الأشخاص المفقودين وجثث الموتى، وأثارت هذه الخطط فزع النشطاء الذين يخشون من مخاطرها على الحريات المدنية.

ومن المقرر أن يعلن “المكتب الوطني لسجلات الجريمة” التابع للحكومة عن طرح عطاءات اعتبارا من أوائل كانون ثان/يناير الحالي، لإعداد قاعدة بيانات مركزية بنظام التعرف على الوجوه، بقدرة تصل إلى 50 مليون صورة تجمع من قواعد البيانات العديدة وسجلات الشرطة والصحف وجوازات السفر وشبكات كاميرات المراقبة.

وليس من الواضح ما إذا كان المشروع الجديد سيتضمن الصور المرتبطة ببرنامج “أدهار” للرعاية الاجتماعية، وهو تطبيق إليكتروني هندي يقوم على قاعدة بيانات تحدد هوية المستفيد بطريقة المعلومات الحيوية المرتبطة بأعضاء الجسم البشري، مثل بصمات الأصابع والعين وصورة الوجه وطبقة الصوت وغير ذلك، وهي قاعدة بيانات أثارت انتقادات حادة بسبب مساعدتها على إجراء مراقبة في جميع أنحاء البلاد شملت ما يقرب من 3ر1 مليار مواطن.

وتعد الهند من بين أقل الدول في العالم التي نقصا في أعداد قوات الشرطة ، وتقوم السلطات الهندية بالتوسع في استخدام التكنولوجيا بهدف تعزيز الأمن.

ويشير أبار جوبتا المدير التنفيذي لمؤسسة “حرية الإنترنت” غير الهادفة للربح، إلى أنه ليس من الواضح الكيفية التي سيتم من خلالها جمع البيانات أو استخدامها، أو كيف سيتم تنظيم عملية تخزينها.

ويقول “إننا نخشى من أن يتم استخدام هذا النظام بهدف فرض الرقابة على المواطنين بشكل جماعي، وليس هناك قانون يحمي الخصوصية في الهند، كما لا يوجد إطار قانوني لمثل هذه الأنظمة”، ويضيف إن عملية جمع البيانات لا تتسم “بالشفافية تماما”، وكان يمكن أن تستخدم الأموال المخصصة لهذا المشروع بشكل أفضل لتوظيف مزيد من رجال الشرطة أو تحسين إضاءة الشوارع.

بينما يقول براسون جوبتا وهو مسؤول بارز في “المكتب الوطني لسجلات الجريمة”، إن المكتب يضع في اعتباره هذه الانتقادات، ويضيف إن “هذا البرنامج كبير للغاية ونحن ندرك أنه يجب تنفيذه بشكل سليم”.

وتم تأجيل المشروع وسط خلافات حول ما إذا كان يجب فتح الباب أمام الشركات الأجنبية التي تتمتع بمعايير تكنولوجية أفضل من نظيراتها الهندية لدخول العطاءات.

وبدأت أجهزة الشرطة في الولايات الهندية بالفعل في استخدام تكنولوجيا التعرف على الوجوه، كما تم استخدامها في بعض المطارات، وتعتزم السكك الحديدية الهندية أيضا تدشين هذه التقنية.

ومن المرجح أن يتطلب تنفيذ هذه التكنولوجيا نشر شبكة من كاميرات التصوير في المدن، وهي خطوة بدأت بالفعل في نيودلهي.

ويقول ناجندار شارما المتحدث باسم حكومة العاصمة “ستصبح نيودلهي أول مدينة رائدة في المراقبة باستخدام الكاميرات في العالم، ونحن بصدد تحقيق حلمنا بنشر 300 ألف كاميرا مراقبة، حيث تم حتى الآن وضع 140 ألفا منها بالفعل”.

من ناحية أخرى يشير تقرير لشركة “كومباريتك” للأبحاث إلى أن “الهند التي تعد أكبر دولة ديمقراطية في العالم، صارت الآن تأتي في المرتبة الثالثة بعد روسيا والصين كأكبر دولة تقوم بمراقبة مواطنيها، مع “فشل مؤسسي في اتخاذ الأساليب الوقائية لحماية الخصوصية”.

كما تعد الهند عاصمة عمليات قطع شبكة الإنترنت في العالم، حيث قامت بقطعها 106 مرات خلال عام 2019، مع ملاحظة أن إقليم كشمير الذي يعاني من الاضطرابات كان الأوفر نصيبا من عمليات القطع.

ويوضح أبار جوبتا مدير مؤسسة “حرية الإنترنت” قائلا “مثل هذا النظام المستخدم للتعرف على الوجوه يمكن أن يستخدم أيضا كنظام لتقييم جدارة المواطنين للحصول على الخدمات الاجتماعية مثلما هو الحال في الصين، وأثبتت التطورات الجارية في الصين كيف يمكن أن يشكل هذا النظام تهديدا لقيمنا الديمقراطية وحرياتنا الفردية”.

وإلى جانب ذلك أوضحت الدراسات أن مثل هذا البرنامج الإليكتروني يمكن ألا يكون جديرا بالثقة، ولا يعول عليه عندما يتعرض لتحديد هوية النساء السمراوات، والأشخاص المنتمين إلى أقليات عرقية والمتحولين جنسيا، مما يؤدي إلى زيادة فرص الخطأ في تحديد هوية الأشخاص.

ومع ذلك أصبحت هذه التكنولوجيا جزءا متزايدا من الحياة اليومية في الهند، ويجادل المدافعون عن هذه التقنية بالقول بأنها تقدم نتائج جيدة.

واستخدمت شرطة العاصمة الهندية هذه التقنية العام الماضي لتحديد هوية الأطفال المفقودين، وفي هذا الصدد يقول راجان بهجت هو من كبار ضباط الشرطة إن “هذا النظام يعمل بشكل جيد للغاية”، وبدأت “تشاي بوينت” وهي سلسلة أخرى من المقاهي التي تلقى إقبالا من الرواد، في استخدام هذه التقنية.

ويبدو أن المواطنين الهنود تقبلوا نظام المراقبة، بخلاف دول أخرى لو طبقت فيها مثل هذه الخطوات لأثارت الاحتجاجات.

ولا يعبأ بهارات بوشان وهو صاحب متجر بجنوب نيولهي كثيرا بكاميرات التصوير المنتشرة في العاصمة، ولكن ينصب اهتمامه بدرجة أكبر على تدني الأوضاع الأمنية، فقد سرقت مؤخرا دراجته النارية كما تعرضت مؤخرا قريبة له لهجوم من لص يخطف القلادات.

ويقول بوشان إنه “بوسع الحكومة أن تضع كثيرا من كاميرات المراقبة في أي مكان كما يحلو لها، فالهنود لا يحفلون كثيرا بالخصوصية، حيث أن أمن حياتنا وممتلكاتنا يهمنا في المقام الأول”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى