أخبار

الهند تحت وطأة تداعيات قانون اللجوء الجديد

 بقلم : محمد طيفوري

تتجه الهند التي تعد “أكبر ديمقراطية في العالم” نحو الانقلاب إلى “أكبر فاشية في العالم” بحسب مراقبين، فإرث التسامح واللاعنف لأب الهند المهاتما غاندي أضحى في مهب ريح العنف والتعصب، بسبب مشروع قانون جديد يعدل قانون المواطنة الهندية المعمول به منذ ستة عقود ونصف، تقدم به إلى البرلمان قبل أسابيع حزب بهاراتيا القومي الهندوسي بقيادة مودي رئيس الوزراء، الذي فاز بولاية ثانية بأغلبية ساحقة، في آخر انتخابات برلمانية شهدتها البلاد قبل نحو سبعة أشهر.
تدافع الحكومة الهندية بشراسة عن مشروع القانون الجديد، بدعوى أنه يسعى إلى ضمان حقوق الإنسان من خلال حماية الأقليات الدينية، من هندوس وسيخ وبوذيين وبارسيين ويانيين ومسيحيين، ممن يلقون الاضطهاد الديني في الدول المجاورة، ذات الأغلبية المسلمة “أفغانستان، بنجلادش، وباكستان”. باختصار، يعمل القانون الجديد على تعديل وتسوية أوضاع آلاف الفارين من الاضطهاد، الموجودين على الأراضي الهندية بشكل غير قانوني.
يعدل مشروع القانون الجديد بندا في القانون الجاري العمل به، ينص على أن المهاجر يتعين عليه الإقامة في الهند أو العمل لمصلحة الحكومة الاتحادية مدة أدناها 11 عاما، حتى يتسنى له حق تقديم طلب الحصول على الجنسية الهندية، لتصبح المدة ستة أعوام فقط، بمقتضى هذا التعديل، متى استوفى المهاجر شرطين: أحدهما الانتماء إلى الأقليات “ستة” المحددة في القانون، والآخر إثبات انحداره من إحدى الدول الإسلامية المجاورة. 
لم يقبل معارضو القانون الادعاءات والمزاعم الحكومية، فالمستهدف من وراء التعديل القانوني هم بالدرجة الأولى المواطنون الهنود من الديانة الإسلامية؛ ممن يشكلون أكبر أقلية دينية في البلاد، بنحو 14 في المائة من مجموع السكان؛ أي ما يفوق 200 مليون نسمة. والدستور الهندي في الدرجة الثانية، حيث يتضمن البرنامج السياسي لرئيس الوزراء الحالي مساعي لإعادة بناء وتشكيل الهند كأمة هندوسية، وفي هذا تعارض مع مبادئ الدستور العلمانية من خلال اتخاذ الدين معيارا لمنح الجنسية.
فجّر قانون المواطنة الجديد احتجاجات في عديد من الولايات الهندية، عدّت الأكبر من نوعها خلال الأعوام الأخيرة، وخلفت وراءها عشرات القتلى وآلاف المعتقلين، في صفوف المواطنين الرافضين قانون التجنيس الجديد، لأسباب عديدة، أولها تكريس التمييز الديني في القانون بتفرقة المهاجرين إلى مسلمين وغير مسلمين، ما يشكل خرقا سافرا وصريحا لمبادئ الدستور العلماني القائم في الدولة، ثانيها أن هذا القانون لو كان فعلا يستهدف حماية الأقليات، لكان عليه أن يتضمن الأقليات الإسلامية التي تواجه اضطهادا في بلادها؛ كالروهينجا في ميانمار والإيجور في الصين.
صحيح أن مشروع القانون في ظاهره موجه إلى اللاجئين الأجانب، لكنه في الأساس يستهدف نزع الصبغة الشرعية عن مواطنة المسلمين الهنود. وقد أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الهند، عن قلقه الشديد من أن يكون “القانون الجديد قائما على تمييز في طبيعته”. فيما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذا “القانون يتعارض مع التزامات الهند الدولية؛ فهو نابع من تحيز ديني واضح”.
ترفض الحكومة المركزية في نيودلهي هذه الاتهامات بالجملة والتفصيل، عادّة المعارضين للقانون يخدمون أجنداتهم الخاصة، من خلال إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار في الدولة. فاستبعاد المسلمين ضمن قائمة الفئات المشمولة بالقانون الجديد، بحسب الحكومة، يعود إلى أنهم ليسوا أقليات، ومن ثم فهم ليسوا بحاجة إلى حماية الهند، هذا الدفع الحكومي متهاو، فتمت مجموعة من الوقائع والأحداث تفنده، كانت الهند مسرحا منذ تولي مودي رئاسة الوزراء.
أقدمت الحكومة الهندية، في شهر أغسطس الماضي، على قرار استثنائي جردت بموجبه منطقة جامو وكشمير؛ وهي المنطقة الوحيدة في الدولة ذات الأغلبية المسلمة، من وضعها الاستثنائي؛ بموجب المادة 360 من الدستور الهندي لعام 1947، الذي يمنحها استقلالية كبيرة، وقسمتها إلى إقليمين اتحاديين، باتت الحكومة المركزية تسطير عليهما بشكل أكثر مباشرة.
في الشهر نفسه، تعمدت السلطات المحلية في ولاية آسام، في الشمال الشرقي في الحدود مع بنجلادش، تجاهل إدراج أسماء نحو مليوني مسلم من سكانها البالغ عددهم 31 مليون نسمة، في سجل تعداد المواطنين في الولاية، ضمن مبادرة من الحكومة تنوي تطبيقها في مناطق أخرى، استعدادا لإعادة توزيعهم في ولايات أخرى، قصد صناعة خرائط ديمغرافية جديدة على المقاس في كل الولايات والأقاليم الهندية.
بعد ذلك بنحو شهرين، سمحت المحكمة العليا في الدولة بإقامة معبد هندوسي كبير في مدينة أيوديا، وتحديدا في موقع مسجد بابري المشيد قبل نحو 460 عاما، الذي تم هدمه عام 1992 من قبل نحو 15 ألف متطرف هندوسي، من أتباع منظمة بهارتيه جنتا الهندوسية المتعصبة الموالية للحزب الحاكم حاليا، وتسببت عملية الهدم تلك في أسوأ موجة عنف في تاريخ الهند المستقلة.
يذهب مراقبون إلى أن افتعال الأزمات الخارجية مع دول الجوار أو داخل الأقليات سياسة حكومية، لكسب تعاطف القومية الهندوسية أولا، والتغطية على الفشل الحكومي البين في المجال الاقتصادي ثانيا. فالهند صاحبة أسرع اقتصادات العالم نموا، تمر الآن بواحدة من أسوأ اللحظات، فكل مؤشراتها القطاعية تكتسي اللون الأحمر، ما يجعل شبه القارة الهندية على حافة مواجهة أزمة اقتصادية، فقد بلغت البطالة أعلى مستوى لها خلال أربعة عقود، وانحدر نحو 30 مليون هندي تحت خط الفقر الرسمي، وتضخمت أسعار المواد الغذائية بشكل مهول.
بهذه السياسة يضع مودي الديمقراطية الهندية الناشئة محل تهديد حقيقي، فالاستمرار على النهج ذاته ينذر بعودة أعوام القمع التي عاشتها الهند في عقد السبعينات، عندما أعلنت أنديرا غاندي رئيسة الوزراء الراحلة، حالة الطوارئ، وعطلت أحكام الدستور، وزجت بآلاف من المعارضين في السجون، وأقامت نظاما دكتاتوريا دام ثلاثة أعوام “1975 – 1977″، ارتكبت خلاله انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى